Online Courses

الوعي العاطفي والتعامل مع الضغوط مهارة بقاء وليست رفاهية

الوعي العاطفي والتعامل مع الضغوط: مهارة بقاء وليست رفاهية

الوعي العاطفي والتعامل مع الضغوط: مهارة بقاء وليست رفاهية

  1. ماذا نقصد بالوعي العاطفي؟

الوعي العاطفي هو القدرة على ملاحظة المشاعر الداخلية، وتسميتها بدقة، وفهم سببها، وربطها بالسلوك، مع القدرة على إدراك مشاعر الآخرين أيضاً. أبحاث في علم النفس وصفت الوعي العاطفي بأنه قدرة معرفية تطورية تساعد الإنسان أن يصف مشاعره ومشاعر من حوله بشكل أوضح، وهذا جزء أساسي من مفهوم الذكاء العاطفي.

دراسات من جامعات بحثية مثل هارفارد تشير إلى أن القدرة على تسمية المشاعر والتعامل معها تقلّل احتمال الوقوع في مشكلات نفسية مثل القلق والاكتئاب، فيما يرتبط ضعف الوعي العاطفي بزيادة المخاطر على الصحة النفسية.

  • ما هو الضغط النفسي؟ ولماذا أصبح ظاهرة عصر؟

تعرّف جهات دولية مثل منظمة الصحة العالمية الضغط في العمل بأنه استجابة الإنسان لمطالب وضغوط تفوق قدرته الحالية على التحمّل، خاصة عندما يستمر هذا الوضع فترة طويلة.

الضغوط قد تأتي من:

  • عمل مرهق أو مناوبات طويلة.
  • أزمات مالية أو أسرية.
  • مسؤوليات رعاية مريض مزمن أو كبير سن.
  • أحداث صادمة أو حروب أو فقدان مفاجئ.

جهات دولية تحذّر من أن الضغط المزمن في بيئة العمل يرفع خطر الاضطرابات النفسية، ويزيد حالات الإرهاق المهني (الاحتراق النفسي)، ويدفع كثيرين إلى الإجازات المرضية أو ترك العمل.

في القطاع الصحي تحديداً، تتحدث تقارير حديثة عن ارتفاع ملحوظ في الإصابات النفسية بين الكوادر، بسبب العنف اللفظي والجسدي وضغط الحالات، خاصة لدى الممرضين والممرضات.

  • كيف يساعدنا الوعي العاطفي في التعامل مع الضغوط؟

الدراسات التي تناولت الذكاء العاطفي والوعي بالمشاعر تشير إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون هذه المهارة:

  • يلتقطون مبكراً إشارات الإرهاق والتوتر في أجسادهم وأفكارهم.
  • يفرّقون بين أنواع المشاعر (قلق، غضب، حزن، خيبة) بدلاً من أن تكون كلها “نرفزة” غير مفهومة.
  • يختارون ردود فعل أكثر هدوءاً، فيعيدون تنظيم يومهم أو يطلبون دعماً قبل الوصول إلى الانهيار.

في دراسات على الكوادر الصحية تحديداً، ارتبط ارتفاع الذكاء العاطفي بانخفاض مستويات التوتر والضغط، وقدرة أفضل على اتخاذ قرارات مهنية في مواقف صعبة، ومعدلات أقل من الاحتراق النفسي.

  • مكوّنات الوعي العاطفي بشكل مبسّط

يمكن تلخيص الوعي العاطفي في خمس مهارات عملية:

  1. الانتباه للمشاعر
    التوقف قليلاً خلال اليوم وسؤال الذات:

“ماذا أشعر الآن؟ توتر؟ قلق؟ ضيق؟ ارتياح؟”

  1. تسمية المشاعر بدقة
    التفرقة بين: متضايق – غاضب – خائف – محبط – حزين – مرهق.
    التسمية الدقيقة تساعد الدماغ على تهدئة النشاط الانفعالي، كما تشير دراسات تنظيم الانفعال.
  2. تقبّل المشاعر بدون جلد ذات
    بدل جملة “ما المفروض أحس كذا”، تصبح:

“أفهم أني متوتر، وأحتاج أتعامل مع هذا الشعور بدون ما أهاجم نفسي.”

  1. ربط المشاعر بالاحتياجات
    القلق قد يشير إلى حاجة إلى أمان أو معلومات أكثر.
    الغضب قد يشير إلى شعور بالظلم أو عدم احترام.
    الحزن قد يشير إلى فقدان أو حاجة إلى دعم.
  2. ملاحظة مشاعر الآخرين
    الانتباه لنبرة الصوت، ملامح الوجه، لغة الجسد، والسؤال بطريقة لطيفة:

“أحس فيك شيء متغير اليوم، حاب تتكلم؟”

5. الضغوط في حياة الكوادر الصحية والأسر

أ) الكوادر الصحية

العامل الصحي يتعامل يومياً مع:

  • ألم المرضى ومعاناتهم.
  • قرارات سريعة تحت ضغط الوقت.
  • احتمال الخطأ الطبي وتبعاته.
  • عنف لفظي أو جسدي من بعض المراجعين أو المرافقين.

أبحاث حديثة تبيّن أن تدريب الكوادر الصحية على الذكاء العاطفي والمهارات غير التقنية (التعاطف، التواصل، إدارة الانفعال) ساهم في خفض مستويات الاحتراق النفسي، وزيادة القدرة على التعامل مع المواقف المرهِقة.

ب) الأسر ومقدّمو الرعاية في المنزل

مقدِّم الرعاية الذي يعتني بمريض سرطان أو مريض مزمن أو كبير سن يعيش ضغطاً متراكماً: سهر، قلق، مسؤولية كبيرة، وشعور دائم بالخوف من فقدان العزيز.

تجارب سريرية على برامج تخفيف الضغط بمساعدة اليقظة الذهنية (Mindfulness-Based Stress Reduction) أظهرت تحسناً في مستوى الضغط وجودة الحياة لدى مقدمي الرعاية لأفراد مصابين بالسرطان، حين حصلوا على برنامج منظم لإدارة التوتر وتنظيم الانفعال.

6. استراتيجيات عملية للتعامل مع الضغوط باستخدام الوعي العاطفي

6.1 خطوة “توقّف – سمِّ – قرّر

هذه خطوة بسيطة تصلح لبيئة العمل والمنزل:

  1. توقّف: لاحظ أن التوتر يرتفع (شد في الكتف، صداع، انزعاج…).
  2. سمِّ الشعور:

“أشعر بقلق من كثرة المهام”
أو
“أشعر بالغضب من أسلوب الحديث معي.”

  1. قرّر استجابة صحيّة:
    • طلب توضيح.
    • تقسيم المهمة إلى أجزاء.
    • أخذ استراحة قصيرة.
    • طلب دعم من زميل أو فرد في الأسرة.

هذا النوع من “إعادة التسمية” ثم “إعادة الاختيار” يقلّل الاستجابات الانفعالية التلقائية.

6.2 تنظيم الانفعال: التنفس واليقظة الذهنية

برامج اليقظة الذهنية لتخفيف الضغط (MBSR) من أكثر البرامج التي دُرست علمياً في هذا المجال. مراجعات وتجارب عشوائية أظهرت أن هذه البرامج:

  • تخفّف من مستويات الضغط والقلق والاكتئاب لدى الكوادر الصحية.
  • تساعد على تحسين المؤشرات النفسية لدى مرضى مزمنين وذويهم.
  • في بعض التجارب، كانت نتائجها في تخفيف القلق قريبة من بعض الأدوية المضادة للقلق عند تطبيق البرنامج بشكل منهجي.

تمرين بسيط مستلهم من هذه البرامج:

  • شهيق من الأنف لعدٍّ بطيء إلى 4.
  • حبس النفس لعدٍّ إلى 4.
  • زفير من الفم لعدٍّ إلى 6–8.
    تُكرَّر العملية من 5 إلى 10 مرات، مع تركيز الانتباه على حركة الهواء داخل وخارج الجسد.

6.3 إدارة الوقت والحدود الشخصية

الوعي العاطفي لا يتوقف عند ملاحظة المشاعر، بل يُترجم إلى قرارات عملية:

  • مراجعة عدد الالتزامات اليومية، وتخفيف ما يمكن تأجيله.
  • تعلّم قول “لا” لبعض الطلبات التي تتجاوز الطاقة.
  • وضع أوقات ثابتة للراحة والنوم بقدر الإمكان، خاصة لدى الكوادر ذات المناوبات المتغيرة.
  •  6.4 شبكة الدعم

جزء مهم من التعامل مع الضغوط هو الاعتراف أننا لا نستطيع حمل كل شيء وحدنا.

  • مشاركة المشاعر مع شخص موثوق.
  • مجموعات دعم لمقدمي الرعاية أو الكوادر الصحية.
  • استشارة مختص نفسي عند استمرار أعراض الضغط أو القلق أو الأرق لفترة طويلة.

7. تمارين مقترحة لدورة منزلية عن الوعي العاطفي والضغوط

يمكن أن تُقدَّم دورة منزلية من 4–5 لقاءات، ساعة في كل لقاء، مثلاً:

الجلسة الأولى: التعارف ورسم خريطة الضغوط

  • كل مشارك يذكر أكثر ثلاث ضغوط تؤثر عليه حالياً.
  • تقسيم الضغوط إلى:
    • ما يمكن التأثير فيه (تنظيم وقت، طلب مساعدة، تغيير طريقة تفكير).
    • ما هو خارج السيطرة المباشرة (أحداث سياسية، بعض القرارات المؤسسية…)، مع التركيز على ما يمكن تحمله بطرق أكثر صحة.

الجلسة الثانية: يوميات المشاعر

  • تكليف أسبوعي: كل شخص يدوّن في ثلاث فترات من اليوم:
    • ما حدث.
    • الشعور السائد.
    • شدة الشعور من 0 إلى 10.
    • كيف استجاب له.
  • في الجلسة، تتم مناقشة كيف تغيّر السلوك حين كان الشخص أكثر وعياً بمشاعره.

الجلسة الثالثة: تمارين اليقظة والتنفس

  • تطبيق تمرين التنفس العميق.
  • تمرين “مسح الجسم”؛ ملاحظة التوتر من الرأس إلى القدمين.
  • نقاش قصير حول التجربة: ماذا تغير في الإحساس الجسدي؟ ماذا عن الأفكار؟

الجلسة الرابعة: الحوار العاطفي داخل الأسرة أو الفريق

  • لعب أدوار: مريض غاضب – ممرضة مرهقة، أو أب متوتر – ابن يشعر بالضغط الدراسي.
  • تدريب المشاركين على استخدام جمل مثل:
    • “أشعر بـ… عندما يحدث…”
    • “أحتاج إلى…”
  • مقارنة الحوار قبل التدريب وبعده.

الجلسة الخامسة (اختيارية): خطة شخصية لإدارة الضغط

كل مشارك يكتب خطة قصيرة تشمل:

  • إشاراته الجسدية والنفسية المبكرة للضغط.
  • ثلاث تقنيات سريعة تناسبه (تنفس، مشي قصير، دعاء، استراحة…).
  • شخصين يمكن أن يلجأ إليهما عند تصاعد الضغط.
  • علامة حمراء تستدعي طلب مساعدة مختص (مثلاً: استمرار الأرق أسبوعين، نوبات هلع متكررة، أفكار سوداوية).

8. متى يتحول الضغط إلى إنذار طبي يستدعي مختصاً؟

توصيات جهات دولية في الصحة النفسية تشير إلى أهمية طلب مساعدة متخصصة عندما:

  • يستمر الضغط الشديد أسابيع متتالية دون تحسّن.
  • يظهر احتراق نفسي واضح: إرهاق مزمن، فقدان الدافعية، شعور دائم بالفشل أو الفراغ.
  • تظهر أعراض قلق حاد أو نوبات هلع أو أعراض اكتئاب (حزن شديد، فقدان متعة، أفكار سوداء).
  • يتأثر أداء الشخص بشكل ملحوظ في عمله أو دراسته أو رعايته لأسرته.

طلب المساعدة هنا ليس ترفاً نفسياً، وإنما حماية للصحة الجسدية والعقلية والعلاقات.

Scroll to Top